فوزي آل سيف

24

إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب

وهنا يبرز دور الطاهرة خديجة صلوات الله عليها، التي استقبلته في عودته تلك بأفضل ما يستقبل به صاحب دعوة، وآمنت به على الفور لأنها تعتقد أن هذا الرجل هو الذي تتجسد فيه كل صفات الأنبياء بل يتفوق في صفاته عليهم، فلو لم يبعث رسولاً لكان الأمر غريباً.. فإنه ليصل الرحم ويصدق الحديث ويحمل الكَل ويُكسب المعدوم ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق!. وقد كانت عليها السلام أول من آمن به، فمنذ أن جاء من غار حراء يحمل على عاتقه مسؤولية هداية البشر ودعوتهم إلى رب العالمين، هيأت له كل ما يحتاجه صاحب الدعوة، فقد آمنت به بصدق، وراحت فيما بعد تخفف عنه أذى قريش، وتكذيبهم، وتتحرى راحته، ويا بؤس نهارها لو سمعت أن رسول الله قد أوذي فهي لا تلبث أن تخرج مستنجدة بعمه أبي طالب مرة، ومدافعة عنه بصورة مباشرة أخرى، ولقد أصابها من أحجار الكفار مقدار ما أصابها من شتائمهم.. بل إن حجارة السفهاء كانت تصل إلى داخل بيتها ملاحقة رسول الله صلى الله عليه وآله. المجاهدة المنفقة منذ اليوم الأول الذي قبلت فيه الزواج من رسول الله، جعلت خديجة نفسها وأموالها وقفاً على رسول الله، فإنهم يذكرون أنها كلفت ابن عمها ورقة بن نوفل أن يعلن على جميع القرشيين بأن ما تملك ملك رسول الله، فقام ورقة منادياً: يا معاشر العرب إن خديجة تشهدكم على أنها وهبت لمحمد نفسها ومالها وعبيدها وجميع ما تملكه يمينها إجلالاً له وإعظاماً لمقامه ورغبة فيه. كان هذا الإعلان الصادق منها يعبر بشكل كامل عن طريقة الحياة التي اختارتها مع النبي محمد صلى الله عليه وآله، وبالفعل فقد ترجمت حياتها مواد هذا الإعلان فقد أنفقت وأنفقت حتى لقد قام الإسلام على عمودي سيف علي ومال خديجة. وكان النبي يتصرف في ذلك المال لنصر الدعوة فيُعِين الفقير الذي أضر به الفقر، ويعتق المملوك المسلم من يد مالكه الكافر، بل إن تجهيز المسلمين للهجرة كان من أموال خديجة، فإنه من المعلوم أن السفر أياً كان يحتاج إلى مؤونة مالية سواء للطعام أو للراحلة، أو بعد الوصول إلى المقصد حتى تتهيأ حياة جديدة للمهاجر، وكان المسلمون المهاجرون لا سيما للحبشة غالبهم من الضعفاء والفقراء فكان مال خديجة هو الأساس المعتمد، وهجرة الفواطم وأهل النبي من مكة للمدينة كذلك، ولهذا لما سئل أبو رافع وهو يحدث عن هجرة علي عليه السلام من مكة: أو كان يجد النبي ما ينفقه هكذا؟ قال: وأين يذهب بك عن مال خديجة عليها السلام؟. وبعدها لا غرابة أن نجد أن الرسول صلى الله عليه وآله، وقد أسلمت له العرب أقدارها، واليهود أذعنت إليه بأموالها، وأصبحت ميزانية الدولة الإسلامية في عهده ضخمة، ومع ذلك يقول: ما نفعني مال قط ما نفعني مال خديجة![46].. لقد كانت صاحبة المال مباركة وكانت نيتها في العطاء خالصة، فجاءت هذه البركات.

--> 46  المجلسي، الشيخ محمد باقر، بحار الأنوار، ج19 ص63.